السيد أحمد الهاشمي
228
جواهر البلاغة
ولهذا التشبيه : روعة أخرى ، جاءت من أن الشاعر : تخيل أن السنن مضيئة لمّاعة ، وأن البدع مظلمة قاتمة . ومن أبدع التشبيهات قول المتنبي : [ الطويل ] بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها * وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمة يدعو الشاعر على نفسه بالبلى والفناء ، إذا هو لم يقف بالأطلال ، ليذكر عهد من كانوا بها ، ثم أراد أن يصوّر لك هيئة وقوفه ، فقال : كما يقف شحيح فقد خاتمة في التراب ، من كان يوفق إلى تصوير حال الذّاهل المتحير المحزون ، المطرق برأسه ، المنتقل من مكان إلى مكان في اضطراب ودهشة ، بحال شحيح فقد في التراب خاتما ثمينا . هذه بلاغة التشبيه من حيث مبلغ طرافته ، وبعد مرماه ، ومقدار ما فيه من خيال . أما بلاغته من حيث الصورة الكلامية الّتي يوضع فيها ، فمتفاوتة أيضا . فأقلّ التشبيهات مرتبة في البلاغة ما ذكرت أركانه جميعها ، لأنّ بلاغة التشبيه مبنية على ادعاء أنّ المشبه عين المشبه به ، ووجود الأداة ، ووجه الشبه معا ، يحولان دون هذا الادّعاء ؛ فإذا حذفت الأداة وحدها ، أو وجه الشبه وحده ، ارتفعت درجة التشبيه في البلاغة قليلا ، لأن حذف أحد هذين يقوّي ادعاء اتحاد المشبه والمشبه به بعض التقوية - أما أبلغ أنواع التشبيه « فالتشبيه البليغ » لأنه مبنيّ على ادعاء أن المشبه والمشبه به شيء واحد . هذا - وقد جرى العرب والمحدثون على تشبيه : الجواد بالبحر والمطر ، والشجاع بالأسد ، والوجه الحسن بالشمس والقمر ، والشهم الماضي في الأمور بالأحلام والوجه الصبيح بالدينار ، والشعر الفاحم بالليل ، والماء بالسيف ، والعالي المنزلة بالنجم ، والحليم الرّزين بالجبل ، والأماني الكاذبة بالعنقاء ، والماء الصافي باللّجين ، والليل بموج البحر ، والجيش بالبحر الزّاخر ، والخيل بالرّيح والبرق ، والنجوم بالدّرر والأزهار ، والأسنان بالبرد واللؤلؤ ، والسفن بالجبال ، والجداول بالحيّات الملتوية ، والشيب بالنهار ولمع السيوف ، وغرّة الفرس بالهلال ، ويشبّهون الجبان بالنّعامة والذبابة ، واللئيم بالثعلب ، والطائش بالفراش ، والذليل